“محاكمة السبعة من شيكاغو”.. العالم يُشاهد ويحكم!

محاكمة السبعة من شيكاغو

لم يكن غريبًا أن تقرر شبكة نتفليكس الرقمية بالاشتراك مع الكاتب والمخرج آرون سوركين اختيار منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي كموعد لإطلاق فيلم محاكمة السبعة من شيكاغو/The Trial of the Chicago 7، والذي كان توقيت عرضه مزامنًا للاحتجاجات الأمريكية المناهضة للعنصرية، إضافة لاستباقه موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية بأقل من 20 يومًا، ليكون بذلك واحدًا من أبرز أفلام الدراما الاحتجاجية التاريخية التي أنتجت في 2020، وهو واحد من المشاريع السينمائية التي حققت نجاحًا كبيرًا لنتفليكس، والتي تتأكد بترّشحه إلى 184 جائزة عالمية، فاز بـ55 منها، بما في ذلك جائزة غولدن غلوب لأفضل سيناريو فيلم سينمائي للعام الجاري.

يعيد سوركين مع نتفليكس تقديم المحاكمة التاريخية الشهيرة للنشطاء السبعة الذين نظموا الحركة الاحتجاجية السلمية خارج المبنى الذي كان يستضيف مؤتمر الحزب الديمقراطي للاحتجاج على الحرب الأمريكية في فيتنام في العام 1968، قبل أن تتحول الحركة السلمية إلى صدام مع أفراد الشرطة بعد تدخلهم بعنف لقمع الحركة التي انتقدت إدارة الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون بسبب الحرب على فيتنام بعد عام واحد من اندلاعها.

يتداخل في فيلم سوركين الجانب التوثيقي التاريخي مع الدرامي ليقدم ملخصًا عن أشهر المحاكمات التي نظمت في القرن الماضي، لذا لا يبدو غريبًا أن يفتتح الناقد السينمائي بريان تاليريكو مراجعته الخاصة بالفيلم بعبارة “العالم يُشاهد”، بينما وصفته الناقدة السينمائية إنجي هان في مراجعتها بأنه “مثير للغضب والإلهام”، وتضيف بأنه على الرغم من اتفاق النشطاء السبعة على ضرورة إنهاء حرب فيتنام، فإنهم كانوا في الفيلم الذي بدأ سوركين العمل على كتابة نصه قبل عقد من الزمن يمثلون في خلافاتهم الفكرية ما نعيشه في عالمنا المعاصر من خلافات سياسية داخل الأحزاب ومجتمعنا المعاصر.

تقول الناقدة إنجي هان إن نشطاء شيكاغو السبعة يمثلون في خلافاتهم الفكرية ما نعيشه في عالمنا المعاصر من خلافات سياسية داخل الأحزاب ومجتمعنا المعاصر

لا تختلف مراجعة الناقد السينمائي ديفيد سيمز عن باقي المراجعات التي ربطت بين محاكمة نشطاء شيكاغو من طرف مع ما تعيشه الولايات المتحدة من استقطاب سياسي وصل ذروته في ظل تواجد الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب في البيت الأبيض من الطرف المقابل، من حيث فترة عرض الفيلم خلال الفترة التي حاول فيها ترامب تحقيق مكاسب سياسية (شخصية) عبر وزارة العدل، إذ يشير سميز في مراجعته إلى أن رسالة الفيلم تتلخص بأنه “لا يمكن للأمريكيين الاعتماد دومًا على قادتهم (السياسيين) لتحقيق أهدافهم النبيلة في الحرية والحقيقة”.

يعتمد سوركين في محاكمة السبعة من شيكاغو على مجموعة من الأسماء اللامعة لتجسيد شخصيات النشطاء الذين كانوا يشكلون مزيجًا من التيارات الفكرية المختلفة، والتي نجدها حاضرة في شخصية إيدي ريدمان بدور الزعيم الطلابي المعتدل توم هايدن، ويشاركه كذلك ساشا بارون كوهين بدور القيادي في حزب الشباب العالمي المعروف باسم “ييبيز” آبي هوفمان، وجيرمي سترونج بدور القيادي في الحزب ذاته جيري روبين.

وينضم إلى فريق سوركين في الفيلم جون كارول لينش بدور الناشط اللاعنفي ديفيد ديلينجر، ومعه أليكس شارب بدور الناشط اللاعنفي أيضًا ريني ديفز، فيما يلعب يحيى عبد المتين الثاني شخصية مؤسس حزب الفهود السود بوبي سيل، والذين نراهم مجتمعين في قاعة المحكمة للدفاع عن التهم التي وجهتها إليهم إدارة نيكسون بالتآمر والتحريض على أعمال الشغب.

تبرز براعة سوركين في المشاهد التي تكون داخل قاعات المحاكم، معيدًا التذكير بمشهد الاستجواب في فيلم بعض الرجال طيبين/A Few Good Men الذي كتب نصه أيضًا سوركين، معتبرًا أنه قدم واحدًا من أشهر مشاهد الاستجواب في السينما، كما أنه يربط مشاهد المحاكمة مع مشاهد غريغوري بيك بدور المحامي أتيكوس فينش الذي يقاتل في الدفاع عن قضية اغتصاب في فيلم أن تقتل طائرًا محاكيًا/ To Kill a Mockingbird للكاتب هاربر لي.

وعلى عكس مشاهد الدفاع في الفيلمين السابقين، فإن مشاهد الدفاع في محاكمة السبعة من شيكاغو تتضمن القليل من المناورة القانونية، نظرًا لطبيعة الاتهامات العبثية أو السخيفة الموجهة للنشطاء، والتي تظهر في مشهد ارتداء هوفمان وروبن لباس القضاة، وعندما يطلب منهما خلع اللباس يكونان مرتديان لباس الشرطة تحت ملابسهما، فقد كانت قضية ظهر فيها فرانك لانجيلا بدور القاضي الغاضب يوليوس هوفمان، الذي كان متحيزًا اتجاه النشطاء لدرجة أنه وجه إليهم مئات التهم المرتبطة بازدارء المحكمة.

على الرغم من معرفة الجمهور أن النتيجة في النهاية لن تكون عادلة، فإن سوركين جمع في قصته مجموعة من النشطاء الراديكاليين المختلفين فكريًا

يعتبر محاكمة السبعة من شيكاغو واحدًا من الأفلام التي يخرج فيها سوركين عن نصوصه السابقة بعكسها المثالية الضبابية داخل المؤسسات الأمريكية، فهو على عكس ما قدمه في مسلسل الجناح الغربي/ The West Wing، يعرف أن وقتنا المعاصر لا يحتمل العودة إلى المشاهد التي ترفرف فيها الأعلام الوطنية، لذا نجده بدلًا من ذلك يركز في مشاهد الاسترجاع (فلاش باك) على اللقطات الأكثر كآبة، كما يحدث في مشهد إخفاء شرطة شيكاغو لشارتهم في جيوبهم قبل هجومهم على المحتجين، أو مشهد تطاير الدماء من رأس ديفز.

إذ أنه على الرغم من معرفة الجمهور أن النتيجة في النهاية لن تكون عادلة، فإن سوركين جمع في قصته مجموعة من النشطاء الراديكاليين المختلفين فكريًا، والتي يمكن ملاحظتها في شخصية كوفمان الكوميدية، وشخصية هايدن الراديكالية، فيما يلعب كوهين وسترونج دورهما بقدر أكبر من المتعة، من حيث لهجتهما المبالغ فيها وشعرهما المستعار، ويتراجع أمامهما مارك رايلانس بدور محامي الدفاع ويليام كانستلر، ومايكل كيتون بدور المدعي العام السابق رامسي كلارك، في المشاهد المصممة لجذب الانتباه للقصة.

ولعل أكثر ما يميز سوركين أنه يروي القصص، إذ يمكن للحوار أن ينتقل من شخصية إلى أخرى بينما يظهر أن القصة يرويها شخص واحد، وهو ما علينا معرفته إن كانت المشاهدات والمشاهدين يكرهون أو يحبون هذا الأسلوب، بعدما قدم أفضل السيناريوهات السينمائية التي تركز على صراعات الأنا، والتي من ضمنها الشبكة الاجتماعية/The Social Network أو كرة المال/ Moneyball، أو حتى في فيلمه المثير عن المقامرة غير القانونية لعبة مولي/Molly’s Game، ولهذا فإن سوركين في  محاكمة السبعة من شيكاغو كان يركز على إخفاقات الولايات المتحدة حتى عندما أراد الاحتفاء بالأشخاص الذي يحاولون إصلاحها.

 


مينا سبوت

التاريخ: 22 أبريل 2021










الرابط المختصر: