تصوير الأعمال الهوليوودية يحيي الصناعة السينمائية في اليونان

أنتونيو بانديراس

تكاد سيارة أجرة تدهس رجلًا قوي البنية كان يعبر شارعًا مزدحمًا، فيما كان عنصران من شرطة ميامي يراقبان الوضع من مكان قريب؛ هذا الرجل ليس سوى الممثل الإسباني أنتونيو بانديراس، وميامي هي في الواقع مدينة تيسالونيكي، المدينة الكبرى في شمال اليونان، حيث تصوّر شركة ميلينيوم ميديا للإنتاج  أحدث أفلامها من نوع الأكشن.

وكالة الأنباء الفرنسية قالت في تقرير لها إن فيلم  المنفذ/ The Enforcer يشكل أحد الإنتاجات الكبرى التي انطلق تصويرها في اليونان هذا الصيف بفضل معاودة الصناعة السينمائية نشاطها ورفع إجراءات الحجر والإغلاق منذ مايو/أيار الماضي.

ومن الأعمال الأخرى التي تصوّر في اليونان أيضاً الجزء الثاني من فيلم أخرجوا/السكاكين/ Knives Out للمخرج رايين جونسون من بطولة الممثل دانيال كريغ الذي أدى سابقًا دور الجاسوس البريطاني الشهير جيمس بوند، وفيلم الخيال العلمي جرائم المستقبل/ Crimes of the Future للمخرج ديفيد كروننبرغ، من بطولة فيغو مورتنسن.

وكانت نتفليكس قد حصلت على حقوق إنتاج الجزأين الثاني والثالث من فيلم الجريمة والغموض “أخرجوا السكاكين” بعد أن حقق الجزء الأول نجاحًا كبيرًا عندما صدر في عام 2019، وبلغت قيمة الصفقة التي حصلت بموجبها على حقوق الفيلم 450 مليون دولار، لتكون بذلك أكبر صفقة أفلام في تاريخ خدمة البث التدفقي.

وسبق لمنصة البث التدفقي ديزني بلس أن صورت في أثينا مشاهد من فيلم السيرة الذاتية غريك فريك/ Greek Freak الذي يتناول السنوات الأولى لجيانيس أنتيتوكونمبو، عندما لم يكن ابن المهاجريّن النيجيرييّن بعد نجمّا في كرة السلة، كذلك استخدمت نتفليكس أثينا لتصوير فيلم التشويق بيكيت/ Becket من بطولة جون ديفيد، نجل دنزل واشنطن.

اختبار التصادم

ورأى المنتج اليوناني بانوس باباهادزيس الذي تشارك شركته أرغونوتس في إنتاج فيلم “جرائم المستقبل” أن هذا الإقبال المستجد على اليونان هو بمثابة “اختبار تصادم” للصناعة السينمائية المحلية بعد سنوات من الركود، موضحًا في حديثه للوكالة الفرنسية أن شركات الإنتاج منذ عشرين عامًا تطالب الحكومة اليونانية “بجعل اليونان دولة جذابة للسينما”.

وقالت فاسيليكي دياغوما، مسؤولة العلاقات العامة في المركز الوطني اليوناني للوسائل المرئية والمسموعة والتواصل، إنه: “لم يحدث يومًا في تاريخ السينما اليونانية أن صُوّر هذا الكم من الإنتاجات في وقت واحد”، وأقرّت بأن اليونان غالبًا ما فوّتت فرصًا لاستضافة تصوير أفلام أجنبية، حتى لو كانت مستوحاة من التاريخ اليوناني، معتبرة أن الأسباب تكمن في “البيروقراطية وقلة الدراية لدى أصحاب القرار”.

وأعاد باباهادزيس التذكير بأن “إغلاق مناطق بأكملها لأغراض التصوير لم يكن واردًا قبل خمس سنوات”، ووفقًا للوكالة الفرنسية على سبيل المثال لا الحصر، صوّر فيلم طروادة/Troy الذي يروي قصة ملحمة طروادة لهوميروس في مالطا والمكسيك في العام 2004، وهو العام الذي استضافت فيه أثينا دورة الألعاب الأولمبية، فيما صّور في المغرب فيلم الإسكندر/ Alexander الذي يروي قصة حياة الإسكندر الكبير.

ويلاحظ باباهادزيس أن “40 بالمائة من السياح يختارون الوجهات التي يشاهدونها في الأفلام”،وكانت الضربة القاضية عام 2016 عندما صُوّر في إسبانيا مشهد شغب  ضمن فيلم التشويق جيسون بورن/ Jason Bourne من بطولة مات ديمون، حيث كان يفترض بحسب القصة أن يكون مسرحه أثينا.

وبعد عام، أصدرت الحكومة اليونانية قانونًا يهدف إلى جذب الإنتاجات الأجنبية من خلال حوافز مالية، وبموجب هذا القانون، بات يحق  لمنتجي الأفلام الأجنبية والمسلسلات التلفزيونية والأفلام الوثائقية وأفلام الرسوم المتحركة والألعاب الرقمية التي تنفذ على الأراضي اليونانية استرداد 40 بالمائة من بعض النفقات، أبرزها تكاليف التنقل واستهلاك الوقود واختيار الممثلين.

واستغرق تطبيق النظام الجديد بعض الوقت، لكن على مدار العامين الأخيرين، حصل نحو 150 مشروعًا، بينها أكثر من 70 إنتاجًا أجنبيًا، على تمويل بأكثر من 180 مليون يورو، وفقًا للمركز الوطني اليوناني للوسائل المرئية والمسموعة.

وأضحت فاسيليكي دياغوما أنه “قد نكون متأخرين، لكننا اعتمدنا أفضل الممارسات في هذا المجال”، وتابعت مضيفة “نحن من البلدان القليلة التي تقدم مثل هذا التخفيض الكبير”.

يد عاملة غير مكلفة

إلا أن الصورة لا تخلو مع ذلك من الشوائب، فقد اشتكت نقابة  فنيي السينما والتلفزيون اليونانيين في كتاب مفتوح الشهر الماضي من أن اليونان لم تحقق سوى أرباح “ضئيلة” من الفيلم الذي يؤدي فيه أنطونيو بانديراس دور البطولة، وهو من إنتاج شركة نو بويانا استوديوز المملوكة لشركة ميلينيوم في بلغاريا.

واستغربت النقابة في هذه الرسالة عدم وجود “أي فني سينما محترف من المكلفين بالضريبة في اليونان” ضمن فريق عمل الفيلم، ولاحظت أن نو بويانا استوديوز حصلت “على تخفيض ضريبي” لكنها في المقابل لم تحقق لليونان سوى”الحد الأدنى من الأرباح”، فيما أشارت صحيفة كاثيميريني اليومية الليبرالية التي تصدر في اليونان إلى أن “عمالة منخفضة التكلفة من دول البلقان” حصلت “تقريبًا على كل الوظائف التي تتطلب مهارات” في الفيلم.

ومع ذلك، أكدت دياغوما أن هذه المشاريع “لا تترك وراءها المال فحسب، بل أيضًا خبرة وتعاونًا جيدًا وشبكة مهنية”، وأضافت موضحةً أن “الشخص الذي يجري توظيفه (لتصوير إنتاج ما) يوفر فرص عمل لـ15 شخصًا آخر”، وأضافت “إنه أمر مهم جدًا لبلدنا وخصوصًا بعد عشر سنوات من الأزمة”، في إشارة إلى الأزمة الاقتصادية التي دخلت فيها اليونان في عام 2010.

وكانت نو بويانا استوديوز قد تعهدت من جهتها بإنشاء استديو للتصوير السينمائي في تيسالونيكي، لكن المشروع تأخر بسبب الوباء.

ورأى الممثل ألكسندروس لوغوثيتيس الذي عاد لتوه من التصوير في أيرلندا أن ثمة اختلافات كبيرة مع اليونان، ولاحظ أن “الطاقم بأكمله تقريبًا كان أيرلنديًا، في حين أن الطاقم في فيلم أنطونيو بانديراس جاء من الخارج”، مشددًا على ضرورة ضمان “حصص للأيدي العاملة اليونانية”.

إلا أن دياغوما اعتبرت أن “ما من دعاية أفضل للسياحة في تيسالونيكي” من فيلم “المنفذ”، حتى لو لم يرد في الفيلم أي ذكر بالتحديد لثاني مدن اليونان، موضحة ذلك بقولها: “تكفي تغريدة واحدة من بانديراس”، وذلك بعدما غرد بانديراس عبر حسابه الرسمي على تويتر بالقول: ” تصوير في تيسالونيكي. الرجاء السكوت”.


مينا سبوت

التاريخ: 16 يوليو 2021










الرابط المختصر: